Socotra Planet Organisation

السحر في الثقافة السقطرية

السحر في الثقافة السقطرية

الكاتب: Saad Al-Ajmi

يكون دوما للجزر النصيب الأوفر من السحر وأساطيره التي لا حدود لها ولا قرار وكان لأرخبيل سقطرى من السحر نصيب الأسد وحتى مطلع الألفية الثالثة كان الايمان بوجود الكائنات الخارقة للطبيعة التي تعادي في القسم الأكبر منها الانسان تمثل جزءاً من الثقافة السقطرية وتشغل المخلوقات المؤنثة مكانة خاصة بين الاشباح والجن وما يشابه ذلك ، ومنها انسان آدمي وغالبا تكون امرأة تصادق الشيطان فيجعلها قادرة على أذية الآخرين وارسال لهم الشر وتسمى عند السقاطرة ( زحرة) كما تستطيع أن تذبح الشخص ولكن قبل أن تفعل هذا أولا تتحول إلى هيئة طير صغير كالعصفور ثانيا تقوم بطرد الضحية لمسافات طويلة تمتد أحيانا ل 50 كيلو متر وأكثر ويسمى الشخص الضحية هنا ( مطرد) ويعيش الشخص المعني هنا حالة نفسية غير طبيعية جنونية يسميها السقاطرة ( ميخش) وبعد أن تمسك بالضحية تقوم مع نسوة أخرى ( ساحرات) باخذه الى موارد الماء غالبا وهناك يتم ذبح الضحية بطريقة غريبة وهي أن يتم وضع الضحية مسجية على ظهرها كالنائم ويتم وضع الرداء عليها ويشعلنا جذوة نار فوق الماء ولا أحد يعرف كيف تتم عملية الذبح والقضاء على الضحية الى يومنا هذا وفي الغد يقوم الضحية صحيحا معافى ولا تظهر عليه أي آثار الذبح الا آثار السهر والتعب وأيضا لا يخبر الضحية بما حدث له ولا يكلم أحدا، ثم بعد يوما أو أياما يموت الضحية كما أن هذه الزحرة لا تتحرك الا ليلا وتتعرض للغنم بالأذية حتى تجف ضروعها وتهزل واحيانا تموت هذه الأغنام كما يعتقد السكان المحليين، لا أحد يعلم متى بدأت هذه الخرافات ومن أصّل لها ووضع طقوسها وكم أتمنى من خبراء علم الباراسيكولوجيا دراسة هذه الظاهرة في سقطرى واخضاعها للعلم التجريبي لأنها فعلا غريبة ويعلق الكاتب السقطري عويس القلنسي ساخرا بقوله “لو فعلا تستطيع الزحرة أن تفعل كما يعتقدوا السقاطرة أن تذبح الشخص ثم تعيده إلى بيته دون أن تظهر عليه أي آثار فاننا نستعين بها لتقوم بالعمليات الجراحية وبالتالي ننافس أهم جراحي العالم الحديث” وقد حصل كثيرا أن شهدت أيام سقطرى تعرض نسوة للقتل والتعذيب والنفي والإداء اللفظي والمضايقات في ذلك الزمن الغابر حينما كان الجهل متفشيا والظلام منتشرا في كل ارخبيل سقطرى وقد لعب دورا كبيرا في هذه المأساة رجال كانوا يسموا ب ( ماكولي) ويدعي هذا الشخص القدرة على إخراج الجن من الانسان الذي تعرض للمس كما أنهم يقوموا بعلاج الأغنام التي يعتقد ملاكها أنهن تعرضنا لأذية من زحرة لقاء اجر معين ، كما أن ماكولي ( يودم) أي يحدد امرأة باسمها ويدعي أنه راها خلال عملية ( ريحضة) وهي قيام ماكولي بحفر حفرة صغيرة في الأرض ومن ثم يقيم طقوس الريحضة وهي حركات تحكم صعبة على المريض وعلى سبيل المثال: تغطيس رأسه في الماء، وخليط من الغمغمة والهمهمة والصياح على الجن أن يخرج من جسد أو روح أو عقل الضحية وبعد هذه العملية يقول ماكولي أحد أمرين اما ان المريض سوف يموت أو أنه يتعالج ويذكر المرأة المجرمة وفي بعض الأحيان يصرف الأدوية النباتية والبخور وكان ماكولي هو الطبيب الوحيد الذي تلجأ الناس اليه للعلاج في سقطرى قديما وعندما يعرف الشخص الذي تعرض للأذى في نفسه أو ماله أو أهله يقوم بوضع المرأة المحددة له في القائمة السوداء خاصته ( شطبره) فيشكوها للسلطان وتتم محاكمة المرأة في الساحة أمام الملأ وتتم المحاكمة كالتالي: أن يتم التحقيق معها ليلا فان اعترفت فقد أدانت نفسها بنفسها وان لم تعترف فانه يجري تكليف شخص معين مهمته تهيئة المتهمة للتحقيق الذي يتم تنفيذه صباح الغد وذلك من خلال قيام المحقق والمكلفين معه بتقييد يدي المتهمة وقدميها بحبال قوية ومن ثم يثبتون كيسين في كل منها خمسة أرطال من الحجارة يوضع الأول على صدر المتهمة والآخر على الخصر ومن ثم يربط حبل طويل على خصرها وبذلك تكتمل عملية التهيئة وتسمى هذه العملية عند السقطريين ( نوجرهس ، انجيرو) ومع بزوغ خيوط الفجر الأولى توضع المتهمة في قارب خشبي وينتقل القارب الى داخل البحر ميل على الأقل حيث يصل أعماق المياه من ثلاثة إلى أربعة أبواع ، وهنا يبدأ التحقيق الفعلي بانتشال المتهمة من القارب ورميها في البحر حيث يتم ارخاء الحبل الطويل الملتف حول خصرها واذا غاصت مباشرة يقوموا بجرها إلى الأعلى ومن ثم يتكرر الأمر مرتين حتى يتأكدوا من أنها وصلت إلى القاع واذا ما اتجهت المتهمة إلى قاع البحر فان ذلك يعني أنها بريئة ويتم اعلان براءتها على الملأ، اما اذا لم تغرق واستطاعت أن تسبح إلى الساحل فإنها ساحرة في نظر المحقق وإذا تم إقرار التهمة في نتيجة اختبار التهمة، فإنها تقف أمام السلطان ليصدر عليها حكمه، ففي الأزمنة القديمة تم تنفيذ أحكام الإعدام بحقهن وبعد منتصف القرن العشرين صارت الاحكام بالنفي خارج الجزيرة كما تعرضنا نساء أخريات للقتل والضرب والتعذيب على أيدي من يعتقدوا أنهم تعرضوا للأذى من قبلهن.

الا أن هذه الاعتقادات سواء الايمان بزحرة أو ماكولي لم تعد من معتقدات الجيل الحالي وصارت من الخرافات في ذاكرة التاريخ السقطري ومع هذا قابلت قبل سنة رجل سقطري في العقد الثامن من العمر ، هاجر في السبعينات من القرن المنصرم الى دولة خليجية وعاش هناك ، إلا أنه لا يزال هذا الرجل يؤمن بالزحرة وبماكولي ايمان مطلق لا يحتمل الجدل، ولهذا الايمان ما يبرره فقد ترسب ايمانه هذا منذ طفولته وصار من البديهيات عنده كما يعتقد أن زهرة هي التي ذبحت بعض أقاربه الذين ماتوا وهو لم يزل فتى يافعا في سقطرى وقال بحزن ظاهر في قسمات وجهه “مات أحد أقاربي ذات يوم أمامي وعرفت فيما بعد من الأهل أن الساحرات خلف موته وهن نساء أعرفهن” سألته حول قدرة الزحرة في الوصول اليه في المهجر فأجاب ان الساحرات لا يستطعنا عبور البحار وأنهن فقط يعملنا في الجزيرة ، وفي نقاش مع أحد زملاء الدراسة في الجامعة ذكر لي قصة طريفة يقول الزميل أن جده والد والده كان يمارس مهنة ماكولي وكان يعالج الناس الا أنه في احدى الأيام دعي لعلاج أحد معارفه وبينما هو يقوم بعملية ريحضة اكتشف أنه سوف يموت لماذا ؟.. لأن الساحرات قد قضينا عليه ضمن المريض الذي هو بصدد معالجته وأخبر الأهل بذلك وبعد فترة وجيزة مات المريض ومات ماكولي، مع أفول حكم آل عفرار ودخول سقطرى في حكم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وسيادة المعتقدات اليسارية والاشتراكية التقدمية منعت الدولة كل شخص يمارس مهنة ماكولي من العمل مع مطلع السبعينات واستمر المنع بهذا الا أنه في الأرياف يلجأ سرا بعض البدو الى ماكولي لكي يعالجه أو يعالج أغنامه ويتم هذا بعيدا عن أعين الدولة وعمالها وبقي الأمر على هذا الحال الى ما بعد الوحدة اليمنية الا أنه في مطلع التسعينيات الميلادية ومع انتشار المد الوهابي في الجنوب بدأت فتاوى تطلق من هنا ومن هناك بأن الايمان بزحرة يعتبر شرك بالله لأن لا احد يستطيع أن يحي ويميت الا الله كما أن الايمان بمالكولي هو الايمان بالسحر والسحر معروف حكمه في الدين الإسلامي ومن هنا بدأت هذه المعتقدات تختفي شيئا فشيئا وعملية التحول في حياة المعتقدات الشعبية عملية معقدة وصعبة ولن تتحول في ليلة وضحاها.