منذ فجر التاريخ تكونت فنون وأساليب من طبيعة الأرض وتضاريس المكان فشكلت فنون سقطرية بديعة وأهازيج شعبية مدهشة رافقت السقطريين في الحل والترحال وكانت مظهرا من مظاهر حياتهم وانعكاس تقلب أحوالهم وتغير معاشهم ما بين حزن وفرح وإخفاق وإنجاز وموت وولادة وتعاسة وسعادة وقد تعددت الفنون الغنائية السقطرية والشعرية والنثرية كثيرا وتطورت تطورا تقليديا دون تحديث أو نقد أو دراسة أو تصويب منهجي أو تصحيح علمي، وتنقسم الفنون الغنائية السقطرية الشعبية إلى عدة فنون أو أقسام فمنها فن التعيدهن وهو فن غنائي شعبي يكون غالبا في الأعراس ومناسبات الختان ويغني به الرجال والنساء في أعمالهم والقيام بواجباتهم كالرعي والصيد البحري والزراعة وغيرها من الأعمال ويغنون به في الأعمال التي يقومون بها عند مساعدة أحدهم في بناء حوش للماعز أو تجهيز جرف لأحد الشباب المقبلين على الزواج أو أي عمل أخر،
وفن الصمهر يشبه فن التعيدهن لكنه يختلف في بعض جوانبه ومنها أن له ترجيعة (ياااو واااو يااااو) ولهذا اللون الغنائي انتشار كبير ويغني به الكبير والصغير وخصوصا من كانت أصواتهم جميلة ويتمتعون بحناجر ذهبية فكانوا يُطلبون إلى الأعراس والمناسبات الاجتماعية المختلفة لإطراب الحاضرين وإمتاع المستمعين وكانت جلسات الغناء تلك بالصمهر تستمر إلى الصباح بل أن بعضهم يتمنى لو أن الليل يمتد كي يستمروا أكثر ويستمتعوا أكثر وكانت النسوة أكثر من يمارسنه ويغنين بها كثيرا وخصوصا من يتمتعن بأصوات جميلة ويتحلق حولهن الجميع وكانت أغلب ليالي سقطرى قديما تنقضي بهذا الشكل كما أن رعاة الغنم يغنون بالصمهر، فن السيسيه ويبدو لي أن اسم هذا الفن جاء من السياسة ويغني بهذا الفن الرعاة أثناء رعي أغنامهم ومواشيهم في الجبال والأودية ولهذا الفن ترجيعة يااا يااااااا واااض”، كما أنهم يطلقون صفيرا بشفاههم وهذا صفير جميل على الوزن الصوتي لفن السيسيه وقد حكى لي بعضهم أنهم كانوا يختبوون خلف أي مكان ساتر كي يستمتعوا بالإستماع لبعض الرعاة وهم يغنون بالسيسيه أثناء رعيهم لأغنامهم وخصوصا في أوقات العصر ولحظات ما قبل الغروب وكانت بعض النسوة تجيد هذا الفن إجادة مدهشة.
أيضا فن النثر الشعبي السقطري وهذا الفن هو الأكثر شيوعا من ناحية الفنون الشعرية السقطرية وكانت المساجلات
الشعرية السقطرية تستمر لسنوات وسنوات وكان الشاعر (يصقب) أي يخلق قصيدة نثرية ثم يرسلها إلى خصمه عن طريق الركبان وبعض المراسلين الهواة الذين يتمتعوا بملكة الحفظ بسرعة ودقة متناهية وتحليل وفهم المقاصد والمعاني وكانوا يتنقلون بين الخصوم لتوصيل القصائد، فن القصيد (الشعر الشعبي) وهو أحد الفنون الغنائية ويغني به الجميع في الحالات العادية إلا أنه في الحالة الرسمية أثناء المناسبات الاجتماعية المختلفة كالزواج أو الختان أو غيرها يغني به الرجال فقط وكان غالبا يوجد لكل عشيرة وقبيلة شاعر يقرض القصيد ويختلق النصوص للرد على الخصوم بينما بعضهم ومن كانوا يتمتعون بأصوات جميلة يلقون القصيدة بأصواتهم الرائعة على رؤوس الأشهاد في المحافل التي تجتمع فيها القبائل ولهذا الفن ترجيعة “هيدون هيدون” بعد كل جملة من الشعر وأحيانا يتم قرض الشعر وإرساله إلى الخصم عن طريق الركبان إذا استمر المعنى واستدعى الحال ذلك بعد الانتهاء من المناسبة، فن (التناتنه) وهي الهدههة أو التنويم لتنويم الأطفال وله تريجعة خاصة “وياليلاه وياليلاة” كن النسوة السقطريات يجدن هذه الفن الغنائي لتنويم الأطفال وينام الطفل على وقع هذا الصوت الجميل والهدهدة الرائعة وكما هو معروف بقيت الجزيرة في عزلة تامة لآلاف السنين وبقي الشاعر السقطري يقرض القصيد باللغة السقطرية الخالصة ويخني الأصوات التي تلائم طبيعة الأرض وتاريخ هذا الشعب المتميز.
الا أنه مع مرور الزمن وخصوصا مع الانفتاح المتكاسل الذي عرفته الجزيرة بدأ الشعر الشعبي السقطري تختلط به الكلمات العربية الشعبية بين نصوصه كضرورة من واقعه وزمانه خصوصا الشعراء المعاصرين والمغنين المعاصرين كما أن تجارب الفن الغنائي السقطري لم تدمج مع آلات الفن الموسيقية إلا مؤخرا وقليلة هي تلك الأغاني التي تم الغناء بها مع الآلات الموسيقية وجذير بالذكر أن المزمار عرفه السقاطرة منذ القدم ويسمى عندهم” كارب” وهو الآلة الموسيقية الوحيدة التي كانت موجودة في سقطرى منذ أقدم العصور لم تحظ الفنون السقطرية الشعبية بالدراسة الكافية والتحليل الشامل سوى شذرات هنا وهناك يتكلفها المستشرقين ويترجلها بعض الكتّاب في الآونة الأخيرة وقد تم إنشاء مؤخرا مركز دراسة اللغة السقطرية للاعتناء باللغة السقطرية وحفظها من الاندثار وصونها من الانقراض مع العلم أنها من اللغات المهددة بالانقراض وكلي أمل أن تكون ضمن أولويات المركز إنشاء وحدة أو فريق عمل لدراسة الفنون السقطرية الشعبية وتحليلها ودراستها وعمل دراسات علمية معمقة حول هذا الفن والتعاون مع المختصين والخبراء في ذلك لحفظ وصون هذا الفلكلور الشعبي والاستفادة منه في عملية الترويج للسياحة في الأرخبيل لنقل ثقافة سقطرى وخلق انطباع ايجابي مؤثر وباقي في روح كل من زار الجزيرة ووطئت قدماه ثرى الأرخبيل.


