تميز السقطريون بثقافتهم المتنوعة وعاداتهم المميزة التي تكونت عبر التاريخ وشكلت موروث ثقافي فريد وفلكلور شعبي مميز ومن هذه التقاليد هي أعراف وأسلاف الختان عند السقاطرة قديما وقد كانوا حريصين على التقيد بالعادات والتقاليد المحلية مثل أي مجتمع آخر محافظا وبسيطا وصارما فيما يتعلق بأعرافه وأنماط حياته ونعود لذلك الزمن الماضي وفي هذا المقال نستمع لأحد كبار السن السقاطرة من مناطق غرب الارخبيل وقد اشترط عدم ذكر اسمه هنا وهو من الذين عاشوا هذه التجربة بتفاصيلها الشيقة وأحداثها المثيرة فيقول: كان من عاداتنا ألا يُختن الذكور الا بعد أن يكونوا بالغين وكان يتم انتظار أفضل المواسم التي تكون فيها الامطار كثيرة والمواشي سمينة ومن ثم يتم الترتيب والإعداد لمناسبة الختان ويتشاور رجال القبيلة وفي بعض الأحيان قبيلتين حول عدد الشباب الجاهزين لعملية الختان وكم عددهم وكم عدد الأغنام التي تذبح وأي مكان يتم اختياره لأن لكل قبيلة ميدان خاص بها معد لهذه المناسبات ويجب على القبيلتين أن تحددا مكان واحد للختان ومن ثم يتم تحديد موعد الختان والتنسيق مع الشخص المختص بعملية الختان وإعلان موعد الزمان والمكان.
في الأيام السابقة للموعد يكون الجميع أهالي الشباب المقبلين على عملية الختان في سهر وترتيب دائمين لأن الختان هو مرحلة فارقة في عمر الشباب وحياتهم فبعد الختان يصيروا رجالا جاهزين للزواج وتحمل مسؤولية الحياة كما أن مناسبة الختان فيها قلق وتقاليد متعبة وسهر طويل واستقبال ضيوف وإعداد ولائم مناسبة وتشجيع الشباب أن يكونوا يقظين وشجعان أثناء عملية الختان والا تهتز لهم شعرة حتى لا يلحقوا عارا وشنار بالقبيلة وتتحول القبيلة إلى مسخرة الدهر وأضحوكة الزمان بين القبائل في الريف والساحل.
وقد حل الموعد وكنا سبعة شباب يتم ختانهم كنا ثلاثة من قبيلتي والأربعة الآخرين من القبيلة الأخرى المجاورة وبدأنا بالتجهز مبكرا في ذلك اليوم المشهود ومن بعد الظهر تم ذبح الغنم وطبخ طحين الدخن إلى ما قبل المغرب وعند الأصيل بدأت القبائل المجاورة في التوافد وكان شيوخ القبيلتين وعقالها في استقبال الضيوف القادمين من كل حدب وصوب وكل قبيلة تأتي بقصيدة لتشجيع القوم ومدحهم وقرض القصيد في كرمهم وشجاعتهم ونخوتهم ، وبعد المغرب يتم توزيع القدور مع غنمة على كل قبيلة من القبائل المتوافدة وتزويدهم بالملح على أن تقوم كل قبيلة بذبح الغنمة التي منحت لهم وتطبخها ويأكل الجميع إلى بعد صلاة العشاء ثم يتجه الرجال الى الميدان وهناك يشكلوا دائرة وهم وقوف وتبدأ السهرة فيما النسوة يجلسنا بالقرب منهم يشاهدن “المدارة” كما يطلق عليها السقاطرة وبعضهن تغني (تصمرهن) وهو فن من الفنون السقطرية الغنائية القديمة ويتبارين في إظهار ابداعاتهن في الغناء أكثر فأكثر يبدأ الفن بالترجيعة
(وا يا وا يا ووا) وهكذا ينتهي وبين كل ترجيعة وأخرى كلمات تكون أحيانا تشجيع للمختونين وأحيانا مدح القبيلة وبينها بث أشواقهن لغائب يرتجى عودته أو حبيب ينتظر قدومه أو غير ذلك من الأغراض، بعض الرجال ينضم اليهن ممن يعشق فن الصمهر ويجيده ويتمتع بحنجرة ذهبية ويشاركهن الغناء حتى انهاء السهرة.
تستمر السهرة فيما الرجال شكلوا حلقة دائرية ويقوموا بقرض الشعر الخاص بهم وله ترجيع (هيدون، هيدون) وهذه القصائد غالبا يقوم بها الرجال في المراسم الطقوسية المختلفة يقرضوا قصائد المدح والثناء ثم أحيانا ومع منتصف الليل يركز بعضهم على الملفات الشائكة بينهم أو ما لاحظه بعض الضيوف من نقص في الترتيب أو عيب في الإعداد للوليمة فتكون مادة للجدل وفرصة لضرب أصحاب الوليمة بالقصيد كما أن بعضهم ينتقم من مساجلات سابقة فيبدأ في قرض الشعر ويذم فيه المضيفين ويتساجل القوم كما يقوم بعضهم بعملية تسمى عندهم “مقلهم” أي القفز إلى الأعلى والعودة إلى نفس المكان والدوران في الدائرة وكلا منهم يأخذ أحد المخاتين الشباب الذي يختنون ويقوموا بمقلهم وعند منتصف الليل يتم تقديم للحضور اللبن الطازج وموائد طحين الدخن مبلل بالسمن البلدي والتمر وبعد الانتهاء من الموائد يعود الجميع ليشكل الدائرة وتتواصل السهرة إلى اذان الفجر.
بعد صلاة الفجر يعود الجميع إلى الميدان ويشكلوا حلقة دائرية وفي هذه اللحظات الفارقة يقلق الأهل من أن تحدث الكارثة التي لا نجاة منها أبد الدهر وهي أن يفرر بصيرهر” أي احتمال أن يظهر على أحد المخاتين الألم أو يرمش له جفن أو تهتز له شعرة فهذا دليل على ضعفه ويجلب العار للقبيلة كلها… يتم وضع حجرة تسمى “مسكيدة” في وسط الحلقة ويتجهز الرجل المختص بالختان ويسمى “مزيدهر” ويقف بجانب مسكيدة ويقول الرجل المسن “أنا تقدمت أول المخاتين بعد أن بللت رأسي بالسمن البلدي حتى لا تهتز من رأسي شعرة واحدة لأن ذلك يعني أني تالمي أو خفت وقمت قبل أن أجلس على مسكيدة بالدوران حول مسكيدة على الأقل دورتين أو ثلاث كما أذكر وهذه علامة على التحدي والشجاعة والعنفوان فيما يقول لي مزيدهر تجهم فلان.
تجهم فلان ” مناديا إياي باسمي أن أقترب وبعد ذلك جلست على الحجرة “مسكيدة” ورفعت ايزاري فيقترب مزيدهر وبلمح البصر يقوم بقطع خشفة العضو الذكري بشفرة الحلاقة ثم يلف قطعة قماش على الجرح بدون تخدير وتتم العملية .. بعدها انطلقت جريا بأقصى سرعة والألم يلفني من كل مكان لكني تماسكت حفاظا على سمعتي وسمعة القبيلة ضحك الرجل… لمعت عيناه وهو يتذكر تلك الأيام.
ويضيف تبعني أحد أقاربي جريا خلفي حتى أصل إلى مسكني وقد تم إعداده لأجلس عليه فترة ما بعد الختان “مرحلة التعافي ” وكنت أخشى أن يمسك بي الذي جرى خلفي، وعندما وصلت البيت استقبلتني النساء بالتهنئة والترحاب واذا حصل أن نزفت أثناء الجري أو سقطت أرضا أو لم استطع الوصول الى السكن فإن ذلك يعني أني “فرك بصيرهر” وجلبت عار وشنار للقبيلة وقد لا أجد امرأة تتزوجني فيما بعد، وهكذا فعل بقية المخاتين وبهذا انتهت المناسبة وعاد كلا إلى مضاربه.
كانت هذه من التقاليد القائمة منذ أمد بعيد الا أنه منذ التسعينات الميلادية خفتت شيئا فشيئا حتى صارت من الماضي كما أن أغلب كبار السن الان يرى على أنه من الخطأ أن تم ترك مثل هذه التقاليد فقد كانت جميلة ورائعة.. لكن بالنسبة لنا نحن من هم في جيلي فإن ذلك متعب ومنهك إلى حد بعيد وقد يعرض المختون لخطر الموت وقيل أنه في إحدى السنوات القديمة توفي أحد الشباب بعد عملية الختان مباشرة بسبب النزيف، وبعضهم يحمل جرحا غائرا في عضوه حتى الممات … على أن ذلك جزء من عادات وتقاليد أجدادنا وتاريخ نعتز ونفخر به ونكتبه هنا كي يعرف الأحفاد تاريخهم وثقافتهم.
وللافت أن طريقة الختان في سن المراهقة هو تقليد قديم قدم الانسان فقد طبقه الفراعنه وغيرهم من الشعوب الاثنية حول العالم الا ان هذا التقليد بقي في سقطرى حتى وقت قريب وذلك بسبب العزلة الطويلة التي عاشها السكان المحليون في الجزيرة لعصور متطاولة.
من المهم أن نذكر هنا أنه لا توجد في الثقافة السقطرية ختان المرأة بل أن كبار السن يستغرب ذلك عندما يسمع للوهلة الأولى عن إمكانية ختان الإناث في بعض مناطق اليمن والعالم العربي والإسلامي.


