منذ الأزل كانت في سقطرى عادات وأعراف ولا زالت في أغلب أريافها ومنها أنه عندما يتأخر المطر ويزداد الوضع سوءاً خصوصا وأن حياة السكان هنا مرتبطة بالطبيعة وتغيراتها ارتباطا وثيقا، وتبتسم الحياة ويطيب المقام عندما تمطر السماء وتكون سنة خير ورخاء فتنبت الأرض وتنبع المياه ويفيض الخير وتحل البركة في كل شي ويستقر الرعيان في مضاربهم ويفكروا في الزواج من حان موعد زواجه ويُختن من بلغ سن الختان، وعندما تتأخر الأمطار يزداد الجفاف وتهزل المواشي فيضطر الرعيان للانتقال إلى أماكن أخرى ويتفرقوا في الأرض فرادى وأسر و قد يتطلب المسير أسبوعا يقل أو يزيد، كما أنهم يظلوا متنقلين من مكان إلى آخر بحثا عن الكلاً والماء ويحدث أن يكون مع هذا التنقل تغيرات تطرأ على الأسر فمثلا يموت عائل الأسرة أو أحدهم وقد يتعرف أحدهم على إمراة أثناء انتقاله ويتزوجها وهكذا يكون لهذه الانتقالات تأثيراتها على حيوات السكان المحليين.
وقد كان ولا يزال للمطر في حياة السقاطرة عبر التاريخ خصوصية مميزة وقد ارتبطت حياتهم بزخات المطر وبكاء السحب وطنين الرذاذ المتساقط على التباب والأودية والجبال الشاهقة وارتبطت بالمطر ثقافة وموروث لا يزال موجود إلى يومنا هذا في بعض مناطق أرخبيل سقطرى فمثلا فيؤسة وتعني الدعاء والتضرع الله أن ينزل المطر والرحمة من خلال الأغنام وتكون مرتين في السنة أولا تقام في نهاية فصل ( خرف) في مطلع أكتوبر لأن فصل الخريف في سقطرى لا يكون فيه المطر سوى الرذاذ الذي يتساقط أغلب أيام الخريف على المرتفعات الجبلية فقط وتقوم كل قبيلة بالآتي: أن يقوم كل رجل راشد صاحب أسرة ويمتلك مشهار ( أي حوش يستخدمه رعاة الغنم حظائر للماشية ثم يأتي كل رجل بغنمته إلى مكان محدد تقام فيه طقوس الفيؤسة وبعد أن يجتمع كل رجال القبيلة يقوم الشخص الفؤس وهو المعروف في القبيلة ويكون غالبا عاقل القبيلة وشيخها الكبير وأحيانا يكون معه أيضا حكيم القبيلة بعملية الفيؤسة هذه ويجلس القرفصاء ويدعوا الله ممسكا بإحدى يديه قرن واحدة من الغنم التي يتم الفيؤسة عليها بينما يمسد بيده الأخرى جسد الغنمة تلك ويردد الحاضرين كلمتي ( أمين ( الله) بصوت جهوري بعد الفؤس، كما أن هناك ( شغفاره) يقوم بها السقاطرة بنفس الطقوس السابقة لكن هذه المرة هو استغفار ويتم هذا اذا لم تمطر بعد فيؤسة.
أما المرة الثانية فتكون من شهر مارس إلى مايو (داته) وبنفس الطريقة أيضا ، كما أن هناك ( محجر) وتعني المؤشرات التي يراقبها السقاطرة دالة على قرب نزول المطر ومؤشرات أخرى دالة على القحط والجوع والضمأ، كما أن هذه المؤشرات تختلف من منطقة إلى أخرى ومن ناحية إلى أخرى ومن المؤشرات التي ذكرها لي كبار السن في بعض المناطق وهي أن تكاثر طائر الغراب الأسود كما تكاثر القطط والتي تأكل الغنم كما أن السحب تغيب عن السماء وبالتالي فإن هذه المؤشرات تبعث على اليأس ويدب الخوف في المضارب ويسكن هاجس الذعر في جبنات الأحياء والمساكن ويسود التوتر بين الأطفال وكبار السن فالمصير معروف جدا هو الرحيل من هنا والفراق قد يمتد لسنوات، سوف يرحل البدو مع عوائلهم و مواشيهم إلى نواحي أخرى بحثا عن الكلأ والماء وكلا يختار منطقة أو ناحية يستقر فيها لبعض الوقت والبقاء في أي منطقة مرتبط بوجود الكلأ والماء ورضى ملاك هذه الأرض ببقاء الضيف.
ولا أحد يعلم متى بدأ السكان المحليون هنا في طلب المطر والدعاء بهذه الطريقة ويبدو لي أنها قديمة قدم الإنسان هنا في الأرخبيل وهي كوكتيل من ديانات أخرى فقد وجد في النقوش التي عثر عليها في سقطرى أن هناك ديانات أخرى كانت هنا قبل الاسلام بالإضافة إلى الهجرات المتلاحقة أو القادمين إلى الجزيرة من الهند وأفريقيا في العهود الغابرة ومن ممالك جنوب الجزيرة العربية ووسطها ، وعند انتشار المد الوهابي بعد الوحدة بين الجنوب والشمال اليمني انتشرت في سقطرى فتاوى دينية تحرم طلب المطر من خلال” التزلف بالأغنام” إلى الله كما زعموا وقد تصورها أصحاب هذا التوجه أنها من باب الزلفي أو القربى إلى الله وتم تحريمها الا أن أغلب السقاطرة لم يأخذ بهذا الفتوى ولم يعمل بها ولم يتقبلها لأنه يعتبر ذلك تخرسات لا معنى لها فقد كان أغلبهم عاشوا لحظات رائعة يتذكرونها عندما كانت قد تأخرت الأمطار فقاموا بفيؤسة وخلال ساعات قليلة تجمعت السحب من كل حدب وصوب ثم نزل الغيث مدرارا حتى ارتوت الأرض وابتل كل شي ولا تزال فيؤسة وشغفارة قائمة في سقطرى إلى يومنا هذا.
يتداول السقطريين قصيدة نثرية قصيرة لا أحد يعرف قائلها تقول القصيدة” يصم دعجب لاصم وديعجب لاتغن ديع موس دي وع شاقر أرهن كتصامن– نص سقطري– يعني يموت من حان موته ويقتل من حان موعد مقتله معيب أن يحصل القحط وموت الغنم” وهذا ما يردده بعض السقاطرة كثيرا عندما يحصل القحط وتجف الموارد ويهاجر الناس وتبقى الديار خالية من أهلها يباب قفر مخيف تملأها الأشباح كما توجد علامات نزول المطر ومنها سيادة حالة نفسية تفاؤلية بين البدو وراحة البال أيضا عدم جفاف الموارد المائية كما أن السحب تبدأ بالزحف من جهة الشمال في فصل الشتاء ومن جهة الجنوب غرب في فصل الصيف ومن جهة الجنوب في الربيع وعلامات أخرى كثيرة تختلف من منطقة إلى أخرى ، ومن المؤشرات أيضا البرق الذي يملأ سقطرى قبل أيام من المطر كما يسبقه ريح خفيف يعرفه السقاطرة بانه علامة فارقة على قدوم المطر، للسقاطرة فلسفة في التعامل مع السماء وبالتالي ما ذكرنا آنفا في طرق طلب المطر واللجوء إلى الله وأيضا المؤشرات والعلامات التي يتابعها الجميع ويراقبها ، فشكلت طريقة خاصة تبلورت عبر السنين من التجارب والمعايشة وتطورت إلى أن تشكلت كما ذكرنا الان.
وما يميز المطر بالنسبة السقطريين أنه تتعلق به حياتهم فإذا ما تأخر المطر فإن حياة السقاطرة تتغير و أحوالهم تتبدل فتهزل المواشي ويموت بعضها واذا طال أمد القحط تموت كلها وقد حصل أن طال القحط إلى أن وصل الجوع إلى مراحل متقدمة في المأساة وأكل بعضهم بعض وفي تاريخ سقطرى يوجد سنوات لا تزال في ذاكرة السقطريين مثل سنوات قحط ( دي مندغ) والتي تعني السنوات التي أكل الغراب والطيور فيها عيون الجوعى ونهش أجسادهم.
كما أن للأمطار كوارثها التي لا تزال باقية في الوجدان السقطري ومن أهم الأيام المأسوية عندما نزلت أمطار غزيرة بعد جفاف وقحط استمر لأربعة أعوام بحسب أغلب الرواة وقد أخذت هذه الأمطار أرواحا كثيرة من الناس ونفقت الكثير من المواشي وتسمى هذه اليوم بيوم الأربعاء” وعند استمرار نزول المطر وتواصل سنوات الغيث والرحمة وعودة الرعاة إلى ديارهم واستقرارهم في مضاربهم فتحصل ( انفجه) أي طفرة في المواشي واللبن وتحل البركة في الحال والمال وتبدأ الناس في التفكير بختان الأولاد ممن هم في سن الختان وتزويج من هم في سن الزواج وتعود الأفراح إلى المضارب ويغلب الأنس عليها والسعادة فيها ولا يكدر صفوها سوى فعل مشين يقوم به سفيه يتسبب بغضب الرب مما يؤدي إلى امتناع السماء عن ارسال المطر فيسارع عقال المنطقة إلى جمع الغنم وطلب المغفرة من الله وألا يأخذ البلاد والعباد بأفعال السفهاء منهم.


